عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
32
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
أخرى ، هذا لا يمكن البتة فلا يدرك لما في الهيولي من الصور غاية ، وإذا كان هذا من المخلوق فكيف في الحق الكبير المتعال ، ومن حصل من تجليات الحق في هذا التجلي قال بأن درك العجز عن الإدراك إدراك ، ومن تجلى له الحق في تجلي معناه عين اللّه حيث علمه وتحققه حيث عينه فهو لا يقول بالعجز عن الإدراك ولا بما ينافي ذلك ، بل يتداعاه الطرفان ، فيكون مقامه المقام الذي لا يمكن عنه تعبير ، وهو أعلى مشهد في اللّه ، فاطلبه ولا تكن عنه لاه ، وقال فيه رحمه اللّه تعالى : اللّه أكبر هذا البحر قد زخرا * وهيج الريح موجا يقذف الدررا فاخلع ثيابك واغرق فيه عنك ودع * عنك السباحة ليس السبح مفتخرا ومت فميت بحر اللّه في رغد * حياته بحياة اللّه قد عمرا واعلم أن الحقّ سبحانه وتعالى جعل هذا الاسم هيولي كمال صور المعاني إلهية ، وكان كل من تجليات الحق التي لنفسه في نفسه داخلا تحت حيطة هذا الاسم وما بعده ، إلا الظلمة المحضة التي تسمى بطون الذات في الذات ، وهذا الاسم نور تلك الظلمة فيه يبصر الحق نفسه ، وبه يتصل إلى معرفة الحق ، وهو باصطلاح المتكلمين علم على ذات استحقت الألوهية . وقد اختلف العلماء في هذا الاسم فمن قائل يقول : إنه جامد غير مشتق ، وهو مذهبنا لتسمى الحق به قبل خلق المشتقّ منه . ومن قائل أنه مشتق من أله يأله إذا عشق ، بمعنى تعشق الكون لعبوديته بالخاصية في الجري على إرادته والذلة لعزة عظمته ، فالكون به من حيث هو هو لا يستطيع مدافعة لذلك ، لما نزل ماهية وجوده عليه من التعشيق لعبودية الحق سبحانه وتعالى كما يتعشق الحديد بالمغناطيس تعشقا ذاتيا ، وهذا التعشق من الكون بعبوديته هو تسبيحه الذي لا يفهمه كل ، وله تسبيح ثان وهو قبوله لظهور الحق فيه ، وتسبيح ثالث وهو ظهوره في الحق باسم الخلق ، وتسبيحات الكون كثيرة للّه تعالى ، فلها بنسبة كل اسم للّه تسبيح خاص يليق به بذلك الاسم الإلهي ، فهي تسبيح للّه تعالى باللسان الواحد في الآن الواحد بجميع تلك التسبيحات الكثيرة المتعددة التي لا يبلغها الإحصاء ، وكل فرد من أفراد الوجود بهذه الحالة مع اللّه ، فاستدل من قال بأن هذا الاسم مشتقّ بقولهم إله ومألوه ، فلو كان جامدا لما تصرف ، ثم قالوا إن هذا الاسم لما كان أصله أله ووضع للمعبود دخله لام التعريف فصار الإله ، فحذف الألف الأوسط منه لكثرة الاستعمال فصار اللّه ؛